أبويا و عمي و التعايش السلمي
جدي توفاه الله عام ١٩٩٦ … و كان عنده دكان صغير جدًا في أحد المناطق الشعبية بالإسكندرية … لا أعتقد أن الغرض من هذا المتجر كان الربح على أي حال … جدي كان يكره الجلوس في المنزل و كان نشيط جدًا حتي أخر أيام عمره رحمه الله … و كان غرض المتجر الأساسي هو التسلية بعد خروجه على المعاش ..
بعد وفاة جدي كان أبي قد خرج للتو على المعاش من القوات المسلحة … و عمي كان موظف بالحكومة في ذلك الوقت … تم الإتفاق على عدم غلق المتجر و تقسيم اليوم بينهم … أبي يفتح المحل في الصباح ثم يديره عمي في المساء بعد خروجه من العمل .
عمي كان من النوع المتدين الذي يرى أن كل إنسان مسؤول عن نفسه و عن إصلاح المجتمع من حوله … أما أبي كان على العكس من ذلك و يرى الدنيا بمنظور أكثر بساطة و أن كل إنسان مسؤول عن نفسه و حر قي تصرفاته التي سيحاسب عليها وحده أمام الله.
عمي كان يرفض تمامًا فكرة بيع الدخان بأنواعه في المتجر .. أما أبي فكان لا يرى بأس من ذلك طالما كل إنسان يتخذ قراراته بنفسه ( هذا بجانب الإختلاف على حكم الدخان نفسه .. هل هو حرام أم مكروه؟).
هذه مشكلة كان من الممكن جدًا أن تصبح أزمة يصعب السيطرة عليها لو تمسك كل طرف برأيه و حاول فرضه على الأخر … لكن ما حدث كان عكس ذلك .. كان أبي يبيع الدخان في الصباح .. و عندما يحضر عمي في المساء كان يتوقف عن بيعه ..
كان يدخل الزبون في المساء و يطلب علبة الدخان و عمي كان يرد ( لا والله مش ببيع سجاير ولا معسل) .. و الزبون كان يتسائل باستغراب ( إزاي ياحاج .. ما أنا لسة شاريها من هنا الصبح ؟) .. و كان عمي يرد ببساطة ( طيب خلاص.. إبقى تعالى أشتريها بكرة الصبح) .
الغرض من القصة أن الشركة لم تنفض و لم يغلق المتجر و لم يقسم و لم يتركه أحدهم …
نموذج ممكن يدرس للتعايش السلمي و تقبل الفكر الآخر و إحترام الخلاف و قبول الحل الوسط …
و لكن السؤال المهم … هل من الممكن فعلًا تعميم هذا الفكر على مستويات أكبر في المجتمعات و الدول ؟ .. أم نحن مازال أمامنا سنين طويلة من معاناة التشنج و التشبث بالرأي و التعتيم الكامل على أي فكر مختلف قبل تقبلنا لمبدأ التعايش مع الفكر الأخر؟
تعليقات
إرسال تعليق